محمد هادي معرفة
31
التمهيد في علوم القرآن
القائل : ألم تفعل كذا ؟ فيقول صاحبه : بلى ، كقوله عزّ وجلّ : أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى « 1 » وأمّا نعم فهو جواب عن الاستفهام نحو هل ، كقوله سبحانه : فَهَلْ وَجَدْتُمْ ما وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قالُوا نَعَمْ « 2 » . وقال الفراء : « بلى » لا يكون إلّا جوابا عن مسألة يدخلها طرف من الجحد . وحكي عنه أنه قال : لو قالت الذريّة - عندما قيل لهم : ألست بربكم - : نعم ، بدل قولهم : بلى ، لكفروا كلّهم . وأمّا قولك : ( ذاك وذلك ) فان الإشارة بذلك إنّما تقع إلى الشيء القريب منك ، وذاك إنّما يستعمل فيما كان متراخيا عنك . وأمّا ( من وعن ) فإنهما يفترقان في مواضع ، كقولك : أخذت منه مالا ، وأخذت عنه علما . فإذا قلت : سمعت منه كلاما أردت سماعه من فيه ، وإذا قلت : سمعت عنه حديثا كان ذلك عن بلاغ . وهذا على ظاهر الكلام وغالبه . وقد يتعارفان في مواضع من الكلام . وممّا يدخل في هذا الباب ما حدّثني محمّد بن سعدويه عن ابن الجنيد عن ابن النضر عن مساور عن جعفر بن سليمان عن مالك بن دينار قال : جمعنا الحسن لعرض المصاحف ، أنا وأبا العالية الرياحي ونصر بن عاصم الليثي وعاصما الجحدري . فقال رجل : يا أبا العالية ، قول اللّه تعالى في كتابه فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ . الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ « 3 » ، ما هذا السهو ؟ قال : الذي لا يدري كم ينصرف ، عن شفع أو عن وتر . فقال الحسن : مه يا أبا العالية ، ليس هذا ، بل الذين سهوا عن ميقاتهم حتى تفوتهم . قال الحسن : ألا ترى قوله عزّ وجلّ : « عن صلاتهم » .
--> ( 1 ) الأعراف : 172 . ( 2 ) الأعراف : 44 . ( 3 ) الماعون : 4 و 5 .